![]() |
| فداء "الذبيح" بمائة من الإبل |
السيرة النبوية
| الجزء الخامس:بعنوان
كاهنة يثرب وفداء "الذبيح" بمائة من الإبل
توقفنا عندما انطلقت القافلة من مكة المكرمة قاصدة خيبر، حيث تقيم عرافة يثرب الشهيرة (سجاح)، بحثاً عن مخرج لنذر عبد المطلب بذبح ابنه عبدالله.
قلق عبد المطلب في مرابع الطفولة
عندما وصل الوفد إلى يثرب، لم يجدوا العرافة، فلحقوا بها إلى خيبر. وأثناء هذه الرحلة، مرّ عبد المطلب بالمدينة المنورة، وهي مسقط رأسه التي نشأ فيها يتيماً عند أخواله من "بني النجار". جرت العادة في زياراته السابقة أن يمر بالأخوال ويتجول في الأسواق مستعيداً ذكريات الصبا، لكن هذه المرة كانت مختلفة تماماً.
لقد كان قلبه معلقاً بمصير ولده الحبيب عبدالله، فلم يلتفت لسوق ولا لصديق، بل ظل واجماً متضرعاً، يسأل الله بقلب منكسر أن يجعل له من ضيقه مخرجاً، فكان همه أكبر من أي ذكريات.
مخرج الكاهنة: ميزان الفداء
عندما عرض عبد المطلب أمره على الكاهنة، طلبت مهلة يوماً كاملاً لاستشارة "قرينها". وفي الصباح، عادت بخبر حبس الأنفاس، فسألتهم: "كم دية الرجل عندكم إذا قُتل؟". قالوا: "عشرة من الإبل". فقالت: "إذن؛ قَدِّموا صاحبكم وقَدِّموا عشرة من الإبل، واضربوا عليهما القداح (القرعة). فإن خرج السهم على صاحبكم، فزيدوا عشرة من الإبل وأعيدوا الكرة، حتى يرضى ربكم ويخرج السهم على الإبل".
هنا استبشرت قريش خيراً، وصاحوا بنخوتهم المعهودة: "واللات والعزى، لنفدينَّ عبدالله ولو لم يبقَ في مكة بعير واحد!". لقد كان عبدالله هو الشاب الأجمل والأكرم خلقاً في قريش، وكان لخبر نجاته المنتظر فرحة هزت أركان مكة.
"أنا ابن الذبيحين"
هنا نقف وقفة تأمل عند قول النبي ﷺ: "أنا ابن الذبيحين". والمقصود بهما: أبوه عبدالله الذي نحن بصدد قصته، وجده الأكبر نبي الله إسماعيل عليه السلام، الذي فداه الله بذبح عظيم بعدما صدق الخليل إبراهيم الرؤيا. فسبحان من حفظ هذا النسل الطاهر من الذبح مرتين ليخرج منه سيد الخلق محمد ﷺ، مكسواً بالهيبة والجمال.
مشهد القرعة المهيب عند الكعبة
عادت القافلة إلى مكة، واجتمع الناس في صعيد واحد عند الكعبة. وُضع عبدالله في جهة، وعشرة من الإبل في جهة أخرى، وبدأ ضرب القداح والقلوب واجفة:
المرة الأولى: خرج السهم على عبدالله. فزادوها عشراً (صاروا 20).
المرة الثانية: خرج السهم على عبدالله. فزادوها عشراً (صاروا 30).
واستمر الحال هكذا، والتوتر يزداد، والناس يدعون، وعبد المطلب قائم يراقب السهام والدموع في عينيه، حتى بلغت الإبل مائة (عشر عشرات).
مائة من الإبل وفرحة مكة
عند المائة، خرج السهم أخيراً على الإبل! تعالت صرخات الفرح والتكبير، وقيل لعبد المطلب: "قد رضي ربك يا سيد مكة". لكنه من شدة حرصه وخوفه قال: "لا.. حتى أضرب عليها ثلاثاً". فأعادوا القرعة ثلاث مرات، وفي كل مرة يخرج السهم على الإبل.
عندها فقط اطمأن قلب الشيخ الكبير، ونُحرت مائة ناقة فداءً لنور النبوة. جعلها عبد المطلب طعاماً للناس وللطيور والسباع في الجبال، لا يُمنع عنها أحد. ثم أخذ بيد ابنه عبدالله، الذي نجا بمعجزة إلهية، وسار به تجاه الكعبة ليشكرا الله وسط فرحة غامرة لم تشهد مكة مثلها من قبل.
يتبع في الجزء القادم: زواج عبدالله من آمنة بنت وهب.. وبداية بزوغ الفجر؟
(لمعرفة الإجابة، 👇🏽
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﷺـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
الرحيق المختوم – صفي الرحمن المباركفوري (باب نذر عبد المطلب).
السيرة النبوية لابن هشام (الجزء الأول - قصة الذبيح).
دلائل النبوة – الإمام البيهقي (حديث "أنا ابن الذبيحين").
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير – ابن سيد الناس.
توقيع الكاتب:حمدى الزلكى
أسأل الله أن يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا شفاعة صاحب السيرة ﷺ.
