![]() |
في كنف السيدة آمنة.. والرحلة الأولى إلى يثرب |
| الجزء (24) بعنوان
((في كنف السيدة آمنة.. والرحلة الأولى إلى يثرب))
عاد الحبيب المصطفى ﷺ إلى حضن أمه الرؤوم السيدة آمنة بنت وهب بعد أن أمضى سنوات طفولته الأولى في بادية بني سعد. في هذه المرحلة، بدأت الأم تلاحظ على ابنها خصالاً لا تشبه خصال الصبية في عمره؛ فقد كان ﷺ يتمتع بأدبٍ رفيع وهدوءٍ يأسر القلوب.
تقول السيدة آمنة وصفاً لحاله: "كان ينظر إلى السماء أكثر من نظره إلى الأرض". كان يميل إلى الخلوة والتأمل، بعيداً عن صخب الصبية ولهوهم المعتاد. وحتى في أبسط تفاصيل حياته، كوضع الطعام، كان لا يمد يده قبل أحد، بل ينتظر في أدبٍ جم حتى يُؤذن له، فإذا أكل، أكل بحياء وسكينة.
بركة الحبشية.. شاهدة المحبة
تروي لنا تفاصيل هذه المرحلة الصحابية الجليلة بركة الحبشية (أم أيمن)، التي كانت رفيقة الدرب وخادمة بيت النبي ﷺ. بركة التي ورثها النبي ﷺ عن أبيه عبد الله، فأعتقها وزوجها لاحقاً من زيد بن حارثة لتنجب له "حِبَّ رسول الله" أسامة بن زيد. كانت بركة ملازمة للسيدة آمنة وللنبي الصغير، ترعى شؤونهما بحب وإخلاص.
الرحلة إلى يثرب ولوعة الفراق
عندما بلغ النبي ﷺ السادسة من عمره، تاقت نفس السيدة آمنة لزيارة قبر زوجها الراحل عبد الله في يثرب، وتمنت أن يعرف الصبي مكان قبر أبيه. استأذنت "شيخ مكة" عبد المطلب، فوافق وأرسلهم مع قافلة من أشراف قريش لضمان أمنهم.
وصلت القافلة إلى يثرب، ونزلوا ضيوفاً عند بني النجار (أخوال النبي). وهناك، وبجانب قبر عبد الله، وقف اليتيم الصغير يسأل أمه ببراءة الطفولة: "لماذا لا يكلمنا يا أمي؟". بقلبٍ يعتصره الألم، غرست آمنة في روعه أول دروس الفراق: "يا بني، إنه الموت.. من يموت لا يرجع ولا يتكلم، وهذا مكانه الذي يواريه". في تلك اللحظة، أدرك النبي ﷺ معنى الموت الحقيقي وفقد الأب الذي لم يره قط.
في يثرب.. وعلامات النبوة بين اليهود
أمضى النبي ﷺ شهراً في يثرب، تعلم خلاله السباحة في آبار بني النجار، وكان يلعب مع الصبية بتميزه المعهود وأدبه السامي. كان صراخ الأطفال يملأ الأرجاء: "يا محمد المكي تعال.. يا محمد القرشي اذهب".
هذه الأسماء (المكي، المدني، القرشي) كانت ترن في آذان أحبار اليهود الساكنين في يثرب، فهي من صميم ما يجدونه في كتبهم عن نبي آخر الزمان. وما زاد ريبتهم وانتباههم هو تلك "الغمامة" التي كانت تظلل النبي ﷺ أينما سار؛ فإذا انفرد عن الصبية، مالت الغمامة معه لتظله دون غيره. بدأ أهل الكتاب يتهامسون ويراقبون هذا الصبي المكي بعيون ملؤها الحذر والترقب.
يتبع إن شاء الله في الجزء
صلوا على من أضاء الكون بنوره ﷺ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
السيرة النبوية لابن هشام (الجزء الأول - ذكر وفاة آمنة وزيارة يثرب).
الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري (فصل: في حجر أمه وإلى جده).
الطبقات الكبرى لابن سعد (ترجمة أم أيمن بركة الحبشية).
دلائل النبوة للإمام البيهقي (باب ذكر خروجه ﷺ إلى المدينة مع أمه).
تاريخ الطبري (ذكر الأحداث في عهد عبد المطلب
ك حمدى الزلكى
رحلة لن تمل منها
.. ابدأ من هنا
إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:
📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته