![]() |
| يتمٌ فوق يتم.. رحيل السيدة آمنة ودموع النبي ﷺ |
السيرة النبويه
الجزء (25)بعنوان
يتمٌ فوق يتم.. رحيل السيدة آمنة ودموع النبي ﷺ في فيافي "الأبواء"
عيون اليهود تترقب الغلام القرشي
لم تكن رحلة النبي ﷺ إلى يثرب مجرد زيارة عابرة لأخواله، بل كانت إعلاناً سماوياً بدأ أهل الكتاب يقرأون علاماته. تروي لنا الحاضنة الوفية بركة (أم أيمن) رضي الله عنها، أنها كانت لا تفارق الصبي ﷺ لحظة واحدة تنفيذاً لوصية أمه. رأت بركة أحبار اليهود يترددون عليه بكثرة، يسألون عن أدق تفاصيل حياته: كيف ينام؟ وكيف يأكل؟ وماذا يفعل في خلوته؟
وفي مشهد مهيب، جاء حبران من دهاه اليهود وتفحصا الصبي بعناية، ثم كشفا عن كتفيه الشريفين ليجدا "خاتم النبوة". صرخ أحدهما بذهول: "هو هو.. وربِ موسى وعيسى إنه هو!". كان هذا الاعتراف كفيلاً بأن يزرع القلق في قلب آمنة وبني النجار، فقرروا تعجيل العودة إلى مكة خوفاً من غدر اليهود الذين عرفوا أن نبي آخر الزمان قد أطل زمانه.
عاصفة الأبواء.. وبداية الوجع
تحركت القافلة نحو مكة، وفي منتصف الطريق، عند منطقة تُدعى "الأبواء"، هبت عواصف رملية شديدة أجبرت الركب على التوقف. هناك، تمكن المرض من جسد السيدة آمنة الضعيف. استأذن أهل القافلة في الرحيل وبقي مع آمنة ومحمد وبركة نفر قليل يرعونهم.
كانت منطقة "الأبواء" شاهداً على أصعب ليالي النبوة؛ حيث اشتد الوجع بآمنة، وشعرت بدنو الأجل. نظرت إلى وحيدها اليتيم الذي لم يكمل عامه السادس، ووضعت يدها على رأسه وهي تودعه بكلمات تقطر إيماناً ويقيناً:
"بـارك فيك الله مـن غلام.. يا ابن الذي من حومة الحمام.. نجا بعـون الملك المنعـام.. إن صح ما أبصرت في منامي.. فأنـت مبعوث إلى الأنـام.. من عند ذي الجلال والإكرام."
الوصية الأخيرة والرحيل المفجع
لم تنسَ آمنة في سكرات موتها أن تحذر بركة من خطر اليهود، قائلة: "يا بركة لا تغفلي عن محمد، فإن ألد أعدائه هم اليهود". ثم نطقت بكلمات الوداع الأخيرة التي خلدها التاريخ: "كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى.. وأنا ميتة وذكري باقٍ، فقد تركتُ خيراً وولدتُ طهراً".
فاضت روحها الطاهرة ويدها ممتدة تمسح على رأس الحبيب ﷺ. ارتمى الصبي في حضنها ينادي: "أمي.. أمي"، لكن لا مجيب. هناك تذكر الصبي اليتيم كلمات أمه عند قبر أبيه: "الذي يموت لا يرجع أبداً". انهمرت دموعه الشريفة بغزارة لم تعرفها عين طفل من قبل، وبقي طوال الليل ملتصقاً بجسدها الطاهر، يرفض الفراق.
وداع الثرى.. "نأخذ أمي معنا!"
عند الفجر، حفروا لها قبراً في رمال الأبواء. كان محمد ﷺ يحفر معهم بيديه الصغيرتين والدموع تبلل الرمل. وعند الدفن، أبى أن يتركها، فأنزلوه القبر ليتمدد بجانبها ضاماً إياها للمرة الأخيرة في مشهد يُبكي الصخر. وعندما حان وقت الرحيل، سأل ببراءة تقطع القلوب: "يا بركة.. هل نأخذ أمي معنا؟".
عاد اليتيم "مضاعف اليتم" إلى مكة، وعندما فتح الجد عبدالمطلب الباب وسأل عن آمنة، لم يجد رداً إلا دموع الغلام وكلمة واحدة: "ماتت.. ماتت". ضمه الجد إلى صدره وقال بمرارة: "أنت ابني.. أنت ابني". انتقلت الكفالة إلى الجد، لكن جرح الأبواء بقي محفوراً في قلب سيد البشر ﷺ طوال حياته.
يتبع إن شاء الله..
في الجزء القادم سنفصل في المسألة الحساسة: هل والدا النبي ﷺ من أهل الجنة أم النار؟ سننصف والديه بالأدلة القاطعة بإذن الله.
رابط الجزء
صلوا على من عاش يتيماً ليكون أماً للمؤمنين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع العلمية والمصادر:
السيرة النبوية لابن هشام: (ويعتبر المرجع الأول والأدق لتفاصيل رحلة يثرب ووفاة السيدة آمنة بالأبواء).
الرحيق المختوم – لصفي الرحمن المباركفوري: (مصدر ممتاز لتفاصيل مراقبة اليهود للنبي ﷺ وعلامات النبوة في طفولته).
دلائل النبوة – للإمام البيهقي: (ذكر فيه تفاصيل "خاتم النبوة" وكلام أحبار اليهود لبركة أم أيمن).
الطبقات الكبرى – لابن سعد: (فصل فيه حياة النبي ﷺ عند أخواله بني النجار وتعلمه السباحة هناك).
سير أعلام النبلاء – للإمام الذهبي: (تحدث عن سيرة بركة "أم أيمن" رضي الله عنها ودورها كحاضنة).
ك حمدى الزلكى
رحلة لن تمل منها..
ابدأ من هنا
إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:
📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته.jpg)