23-​عناق في وادي تهامة: سر ضياع النبي ﷺ وعودته لأحضان مكة.

(( انتهاء حضانته ﷺ عند حليمة رضي الله عنها، ورجوعه لمكة ))


 السيرة النبوية

23-بعنوان 

(( انتهاء حضانته ﷺ عند حليمة رضي الله عنها، ورجوعه لمكة ))

​تستمر نفحات السيرة النبوية العطرة في رصد أدق التفاصيل التي صاحبت نشأة المصطفى ﷺ، وفي هذا الجزء نعيش لحظات مؤثرة تمزج بين لهفة الجد وفراسة الأم ووفاء الحبيب لمرضعته، وهي لحظة العودة الفاصلة إلى مكة المكرمة.

١. لهفة عبد المطلب وفزع اللقاء

​فلما دخل الركب مكة، وجدوا عبد المطلب جد النبي ﷺ جالساً في حجر الكعبة. تقول حليمة فقلنا: "لقد قدمنا بمحمد"، فقاطعهم باستغراب وقال: "ليس موعد قدومكم" [[أي رجعتم مبكراً قبل انتهاء فترة حضانته]]. قالوا: "قدمنا لشأن، ولكن أضللناه في مشارف مكة، ضاع منّا فلا ندري أين هو!".

​كان الخبر وقع الصاعقة على شيخ مكة، فوثب عبد المطلب على قدميه مفزوعاً، ثم وقف عند باب الكعبة الملتزم، وذرف الدموع الغزيرة، ورفع يديه بالدعاء الخالص لرب هذا البيت وقال:

"لاهُمَّ رُدَّ لي محمداً.. رُدَّه لي ثم اتخذ عندي يداً.. أنت الذي سميته محمداً"


٢. البحث واللقاء في وادي تهامة

​انطلق عبد المطلب في رحلة بحث مضنية بمساعدة بعض رجال مكة، وفي روايات السيرة الثابتة أن الله سبحانه وتعالى لم يترك نبيه وحيداً، بل حفظه بعينه التي لا تنام. وبعد طول بحث في فجاج مكة، وجده عبد المطلب في "وادي تهامة" عند الشجرة اليمنى، وهو غلام يافع تظهر عليه سمات الهيبة والوقار رغم صغر سنه.

​تقول حليمة: لما وصل عبد المطلب رآه يمسك بغصن شجرة يسحبه ويتركه، وقد تغيّر شكله وملامحه وكبر عما كان عليه في العامين الأولين. فقال عبد المطلب باشتياق: "من أنت يا غلام؟".

فأجاب الصغير ﷺ بفصاحة لسان ندر وجودها: {{ أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب شيخ مكة }}.

هنا بكى الجد من شدة الفرح، وضمه إلى صدره وأخذ يقبله، وأجلسه في مقدمة فرسه، ثم رجع به مكة وهو يحمد الله على ردّ الأمانة، ونحر الإبل وأولم وليمة كبرى دعا إليها أهل مكة فرحاً بعودة حفيده الغالي ﷺ.

٣. الحكمة في "وجدك ضالاً فهدى"

​يشير المحققون من علماء التفسير والسيرة إلى أن قوله تعالى في سورة الضحى: {{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ }} تحمل إشارة لهذه الحادثة في أحد وجوه تفسيرها؛ حيث ضلَّ ﷺ في شعاب مكة وهو طفل فرده الله إلى جده سالماً ليتم أمره.

٤. فراسة آمنة ووفاء المصطفى لمرضعته

​عندما عادت حليمة بالنبي ﷺ إلى أمه آمنة، سألتها آمنة بذكاء الأم: "يا حليمة لِما تعجلتي بعودة محمد؟". فحدثتها حليمة بما جرى في حادثة "شق الصدر" وخوفها عليه. فضحكت آمنة بيقين الموقنين وقالت:

"يا حليمة، وتخوفتِ عليه من الشياطين؟ إن لابني هذا شأناً عظيمًا، لا سبيل للشياطين عليه أبداً، دعيه عنكِ وارجعي راشدة".


​لقد أثبتت الأيام صدق فراسة آمنة، وظل النبي ﷺ وفياً لمرضعته حليمة طوال حياته؛ فبعد زواجه من خديجة رضي الله عنها أكرمها إكراماً شديداً، وفي يوم حنين حين رآها مقبلة، وثب قائماً على قدميه وهو يقول: «أمي.. أمي.. مرحباً بأمي!»، وبسط لها رداءه الشريف لتجلس عليه، معبراً عن أرقى معاني البر والوفاء.

يتبع بإذن الله....

​➡️ الجزء التالي:

⬅️ الجزء السابق:

صلوا على سيدنا محمد 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع                                

سيرة ابن هشام (الجزء الأول): المرجع الأساسي في سرد قصة رضاعة النبي وعودته لمكة.

صحيح مسلم (كتاب الإيمان): في توثيق أصل حادثة شق الصدر وحفظ الله لنبيه.الرحيق

 المختوم (للمباركفوري): في تلخيص أحداث العودة من بني سعد وتفسير آيات سورة الضحى.زاد المعاد لابن القيم: في ذكر وفاء النبي ﷺ لمرضعته حليمة يوم حُنين

.دلائل النبوة للبيهقي: في رصد البشارات والإرهاصات التي صاحبت طفولة النبي ﷺ.

                      ك حمدى الزلكى 

رحلة لن تمل منها

.. ابدأ من هنا

إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:

📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته