14-من هو الراهب الذي ترك بلاد الشام لانتظار مولد النبي ﷺ في مكة؟"

 

الراهب "عيص" وبشارات أهل الكتاب بمولد خير الأنام ﷺ
​السيرة النبوية 

(14):

 الراهب "عيص" وبشارات أهل الكتاب بمولد خير الأنام ﷺ

​ما زلنا نبحر في أنوار السيرة النبوية العطرة، وفي هذا الجزء نستعرض لحظات مهيبة تلت المولد الشريف، حيث امتزجت فرحة الأرض ببشارات السماء التي حفظتها كتب أهل الكتاب عن هذا اليوم الموعود.

​عبد المطلب في رحاب الكعبة: شكرٌ واستعاذة

​بعد أن وضعت آمنة بنت وهب وليدها المبارك، استبشر جده عبد المطلب خيراً. حمل الرضيع بين يديه والبهجة تملأ وجهه، وتوجه به مباشرة إلى الكعبة المشرفة. فُتحت له أبوابها، فدخل في جوفها طائفاً بالبيت الحرام، شاكراً لله على هذه العطية، وهو يرتجز بكلماته الشهيرة التي خلدها التاريخ:

​"الحمدُ لله الذي أعطاني.. هذا الغلامَ الطيبَ الأردانِ.. أعيذه بالبيت ذي الأركانِ.. من كل حاسدٍ ومن شنانِ"

​عاد به إلى أمه آمنة، وهو يوصيها بحرص شديد: "أحرصي عليه"، فقلب الجد كان يشعر أن لهذا اليتيم شأناً يفوق الوصف.

​عالمية الرسالة: لا وسائط في دين الله

​قبل أن نستكمل قصة الراهب، لابد أن نتأمل في جمال هذا الدين الذي بشر به المصطفى ﷺ. لقد جاء ليحطم القيود الهرمية؛ فلا "أحبار" (رجال دين اليهود) ولا "رهبان" (نساك النصارى) يملكون صكوكاً للغفران.

في الإسلام، العلاقة بين العبد وربه مباشرة: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}.

لقد كان النبي ﷺ يجلس على الأرض وسط أصحابه حتى يأتي الأعرابي فيسأل: "أيكم محمد؟"، فلا يتميز عنهم بتاج أو عرش. فالإسلام يرفع ميزان التقوى لا الرتب: "رُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه".

​من هو الراهب "عيص"؟ وكيف تنبأ بالمولد؟

​كان الراهب "عيص" أحد كبار علماء النصارى في بلاد الشام، ترك رغد العيش وجاء ليسكن صومعة في أطراف مكة. لم يأتِ للتجارة، بل جاء مرتقباً لظهور "نجم أحمد".

كان يدخل أندية قريش (مجالس كبارهم حول الكعبة) ويسألهم بلهفة: "يا معشر قريش، هل ولد فيكم مولود؟". ويصف لهم علاماته، فيقولون: "لم يولد بعد". فيقسم لهم برب موسى وعيسى أنه ما ترك "بلاد الخمر والخمير" (كناية عن خيرات الشام) إلا طلباً لهذا النبي خاتم المرسلين الذي سيهدم الوثنية ويتمم الشرائع.

​لقاء اليقين: عبد المطلب في صومعة عيص

​في صبيحة المولد، تذكر عبد المطلب كلمات الراهب، فانطلق إليه مسرعاً. نادى: "يا عيص.. يا عيص!".

فأجابه الراهب بيقين غريب: "كن أباه يا شيخ مكة!".

تعجب عبد المطلب، فأكد له الراهب: "لقد ولد الذي كنت أحدثكم عنه.. هو ذاك وربِ موسى وعيسى".

ثم أسدى إليه نصيحة غالية: "احفظ لسانك يا عبد المطلب، ولا تتحدث عنه لأحد، فإنه لا يُحسد حسده أحد، وإياك واليهود؛ فإنا نجد في كتبنا أنه يولد يتيماً، فإحرص عليه".

​لقد سجل القرآن الكريم هذه الحقيقة التاريخية في قوله تعالى:

​{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة: 146).

​يتبع بإذن الله في الجزء👇🏽

​➡️ الجزء التالي:

⬅️ الجزء السابق:


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

​المصادر والمراجع المعتمدة لهذا الجزء:

​لكي تكون مدونتك مرجعاً موثوقاً، اعتمدنا في صياغة هذه التفاصيل على أمهات الكتب:

​السيرة النبوية لابن هشام: (الجزء الأول - ذكر مولد الرسول ﷺ ورضاعه).

​البداية والنهاية لابن كثير: (الجزء الثاني - فصل في مبعثه وبشارات الأحبار والرهبان).

​دلائل النبوة للإمام البيهقي: (فصل ما جاء في بشائر أهل الكتاب بظهوره ﷺ).

​الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري: (فصل المولد وأربعون عاماً قبل النبوة).

                         

ك حمدى الزلكى

رحلة لن تمل منها.

. ابدأ من هنا

إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:

📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته