36-قصة زواج النبي ﷺ والسيدة خديجة: الأمانة تلتقي بالشرف |

زواج النبي ﷺ والسيدة خديجة: قصة حب وأدب غيّرت التاريخ 


السيرة النبوية

 (36)بعنوان 

زواج النبي ﷺ والسيدة خديجة: قصة حب وأدب غيّرت التاريخ

​نستكمل معكم، أيها الأحبة، نفحات السيرة النبوية العطرة. في الأجزاء السابقة، رأينا كيف اجتمعت الدلائل والبشارات لدى السيدة خديجة رضي الله عنها، ورغبتها في الاقتران بـ "الصادق الأمين" ﷺ. اليوم، نعيش تفاصيل هذا الزواج المبارك، الذي لم يكن مجرد عقد، بل كان تأسيساً لبيت النبوة الأول.

​الوساطة غير المباشرة وذكاء خديجة

​بعيداً عن المباشرة، وحفاظاً على الحياء العظيم، أرسلت السيدة خديجة رجلاً (يُرجح أنه نفيسة بنت منية في بعض الروايات) ليعرض الأمر على النبي ﷺ بطريقة ذكية.

سأل الرجل النبي ﷺ: "يا محمد، ما يمنعك من الزواج؟".

فأجابه ﷺ بصراحة الشاب العفيف: "لا أجد ما أتزوج به" (أي ليس لدي مال للمهر والنفقة).

​فقال الرجل: "فإن كُفيت ذلك، ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة؟".

سأل النبي ﷺ متعجباً: "ومَن هي؟".

قال: "خديجة بنت خويلد".

​وهنا، أظهر النبي ﷺ استغرابه، فقد رفضت السيدة خديجة (التي كانت تُلقب بـ "سيدة قريش") سادات مكة ووجهاءها الذين خطبوها. فكيف تقبل به ﷺ وهو قليل المال؟

فأجابه الرجل بيقين: "أنا أكفيك ذلك". عندئذٍ، صدرت الموافقة النبوية: "إن فُعل ذلك، فقد قبلت".

​الفرحة الكبرى والترتيب العائلي

​طارت الوسيطة بالخبر للسيدة خديجة، فتهلل وجهها فرحاً وسعادة، وحق لها ذلك. طلبت من النبي ﷺ أن يحضر أعمامه، وهي ستحضر عمها عمرو بن أسد (إذ كان والدها قد توفي قبل مدة).

​خطبة أبي طالب البليغة.. المال ظل زائل

​حضر النبي ﷺ ومعه أعمامه، وعلى رأسهم أبو طالب. ووقف أبو طالب ليخطب خطبة بليغة، سجلت كلمات ذهبية في وصف النبي ﷺ وقيمة المال:

قال أبو طالب: "الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل.. ثم إن ابن أخي، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، من لا يُوزَن به فتىً من قريش إلا رجح عليه؛ براً، وفضلاً، وكرماً، وعقلاً. وإن كان في المال قُلٌّ، فإن المال ظلٌّ زائلٌ، وعارية مسترجعة" (أي أن قلة المال لا تعيب الرجال، فالمال يذهب ويأتي). وأعلن رغبته في خطبة السيدة خديجة، متكفلاً بالمهر (الصداق).

​رد عم خديجة: الفحل الذي لا يُقدع أنفه

​قام عم السيدة خديجة، عمرو بن أسد، ورد بعبارة جزلة تعبر عن عظيم الفخر والقبول: "هو الفحل الذي لا يُقدع أنفه" (وهو مثل عربي يُضرب للرجل الكريم الأصيل الذي لا يُرد ولا يُعاب في نسبه أو خلقه). وبهذا، أعلن موافقة آل خديجة بكل فخر واعتزاز.

​تفاصيل الزواج المبارك

​تم الزواج المبارك بعد وقت قصير من رحلة التجارة (قيل أياماً وقيل أسابيع).

​المهر (الصداق): قيل إنه كان عشرين ناقة (وقيل اثنتا عشرة أوقية ونشاً)، تكفل بها أبو طالب.

​الوليمة: أقام أبو طالب وليمة ودعا الناس إليها احتفالاً بهذا الحدث العظيم.

​فارق السن والأدب النبوي: تزوج النبي ﷺ السيدة خديجة وكان عمره 25 سنة، وكانت هي تتقدمه في العمر (يُقال 40 سنة، وقيل أقل). وفي هذا السياق، نتعلم الأدب النبوي في الحديث عن السن؛ فلا نقول "فلان أكبر من النبي ﷺ"، بل نقول "أسنُّ منه"، أو "يتقدمه في السن"، كما فعل العباس رضي الله عنه حين سُئل: أأنت أكبر أم رسول الله ﷺ؟ فقال: "رسول الله ﷺ أكبر، ولكني وُلدت قبله بعامين".

​كيف كانت حياة النبي ﷺ في بيت خديجة؟ وماذا أنجبت له؟

هذا ما سنعرفه في الجزء القادم بإذن الله.

​صلوا على من بُعث رحمة للعالمين ﷺ.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

​المصادر والمراجع:

​السيرة النبوية لابن هشام: (باب ذكر تزويج رسول الله ﷺ خديجة رضي الله عنها).

​الرحيق المختوم: صفي الرحمن المباركفوري (فصل: في ظلال النبوة والرسالة - زواجه من خديجة).

​البداية والنهاية: لابن كثير (تزويج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد).

​عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: لابن سيد الناس.

            ك/حمدى الزلكى 

​➡️ الجزء التالي:

⬅️ الجزء السابق:

رحلة لن تمل منها..

 ابدأ من هنا

إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:

📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته