![]() |
شبابه ﷺ، وعمله في رعي الأغنام.. من رعاية الغنم إلى رعاية الأمم)) |
السيرة النبوية
32 بعنوان
((شبابه ﷺ، وعمله في رعي الأغنام.. من رعاية الغنم إلى رعاية الأمم))
بعد أن عاد النبي ﷺ من رحلته مع عمه أبي طالب، لم يخلد إلى الراحة أو الكسل، بل بدأ مرحلة جديدة من الاعتماد على النفس. كان الله سبحانه وتعالى ينبته نباتاً حسناً، ويؤدبه بأحسن الآداب، استعداداً للمهمة العظمى وهي حمل الرسالة الخاتمة. وفي هذه المرحلة، اشتغل النبي ﷺ بمهنة رعاية الأغنام.
سؤال الصحابة والحكمة الإلهية
ذات يوم، كان شباب من الصحابة (أهل المدينة) جالسين حول رسول الله ﷺ، تملؤهم الرغبة في معرفة المزيد عن طفولته وشبابه، فقالوا: "يا رسول الله حدثنا عن بدء أمرك". فأجابهم ﷺ بكلمات ترسي مبدأً عظيماً: "بُعثتُ وأنا أرعى الغنم لقومي، وما بعث الله نبياً إلا ورعى الغنم".
وهنا نقف لنتساءل: ما الحكمة من اختيار هذه المهنة بالذات للأنبياء؟
لقد اختار الله رعي الأغنام لأنها مدرسة عملية تعلم الصبر والرحمة. فالراعي يتعلم كيف يعتني بالصغير والضعيف، وكيف يصبر على تفرق الأغنام في المرعى ويجمعها بحلم، وكيف يحميها من الحيوانات المفترسة. ومن يصبر على رعاية هذه المخلوقات الضعيفة، سيهيئه الله لرعاية أمور الرعية، فينتقل من رعاية الغنم إلى رعاية الأمم وقيادتها ﷺ.
قصة العصمة من مآرب الجاهلية
يحكي لنا النبي ﷺ موقفاً حدث معه وهو شاب في السادسة عشرة من عمره، ليوضح لنا كيف كانت عناية الله تحوطه وتمنعه من الوقوع في لهو الجاهلية. يقول ﷺ: "كنا نرعى الأغنام خارج مكة، فإذا كان الليل أتينا أطراف مكة". في أحد الأيام، سمع النبي ﷺ صوت عزف وغناء (صوت عرس) من بعيد، وكان معه صاحب له في الرعي.
تحدث هذا الصاحب عن جمال السهرة وعزف الدفوف (الغرابيل) والغناء، فتشوقت نفس النبي ﷺ -كأي شاب في عمره- أن يذهب ويرى ماذا يحدث. فقال لصاحبه: "اعتنِ أنت بأغنامي هذه الليلة لعلي أذهب إلى مكة وأسمر كما سمرت".
العصمة الإلهية: "فضرب الله على أُذني"
انطلق النبي ﷺ نحو مكة، وعندما وصل إلى أطرافها وبدأ يسمع صوت المعازف بوضوح، حدثت المعجزة. يقول ﷺ: "فضرب الله على أُذنيَّ فنمت". أنزل الله عليه نوماً عميقاً في مكانه، ولم يوقظه إلا حرارة الشمس في اليوم التالي! عاد ﷺ لصاحبه وأخبره بما حدث، فظن الصاحب أنه كان متعباً وقال له: "اذهب الليلة لعلك تدرك ما فاتك".
وفي الليلة الثانية، ذهب النبي ﷺ لنفس المكان، وتكرر نفس الأمر؛ ضرب الله على أذنيه فنام ولم يصل إلى أهل اللهو والمعازف. يقول ﷺ: "فلما رأيت ذلك علمت أن الله لا يحبه لي.. فلم أرجع إليه أبداً". هذه هي عصمة الأنبياء قبل البعثة وبعدها؛ فقد طهر الله سمعه وبصره وقلبه من المعازف والغناء المحرم.
العيش من عرق الجبين
وهكذا، كبر النبي ﷺ وهو يكسب قوته من تعبه وعرق جبينه. كان يرعى الأغنام لأهل قريش مقابل "قراريط" (أجر بسيط)، ويصرف على نفسه بعزة نفس وكرامة. استمر في هذه المهنة الشريفة، ينمو في مكارم الأخلاق والصدق والأمانة، حتى صار يُعرف في مكة بـ "الصادق الأمين".
استمر الحال هكذا حتى بلغ ﷺ الخامسة والعشرين من عمره، وهنا بدأت قريش تستعد لرحلة صيفية جديدة إلى بلاد الشام، وظهرت في الأفق شخصية سيدة فاضلة ستكون لها مكانة عظيمة في حياته، وهي السيدة خديجة بنت خويلد الأسدية رضي الله عنها وأرضاها.
يتبع بإذن الله...دوس على
صلوا على حبيبنا المصطفى ﷺ 🌺
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع لهذا الجزء:
صحيح البخاري: (كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط).
سيرة ابن هشام: (ذكر قصة رعي الغنم وعصمة الله له من لهو الجاهلية).
دلائل النبوة للإمام البيهقي: (تفصيل قصة النوم عند سماع العزف في مكة).
الرحيق المختوم: (للشيخ صفي الرحمن المباركفوري، فصل "حياة الكدح").
تاريخ الطبري: (ذكر رواية النبي ﷺ عن رعي الأغنام وتعلمه الصبر).
ك /حمدى الزلكى
رحلة لن تمل منها..
ابدأ من هنا
إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:
📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته