29-في رحاب العم الوفي.. كفالة أبي طالب للنبي ﷺ ))


​(( في رحاب العم الوفي.. كفالة أبي طالب للنبي ﷺ 


 ​السيرة النبوية 

29بعنوان

​(( في رحاب العم الوفي.. كفالة أبي طالب للنبي ﷺ ))

​تستمر رحلة النور في سيرة المصطفى ﷺ، فبعد رحيل الجد الحاني عبد المطلب، انتقل النبي الكريم في سن الثامنة إلى مرحلة جديدة من طفولته المباركة، حيث انتقلت كفالته رسمياً إلى عمه أبي طالب. واسمه الحقيقي هو «عبد مناف»، وهو والد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصهر النبي ﷺ لاحقاً على ابنته فاطمة الزهراء.

​دحض الشبهات حول اسم "عمران"

​من المهم قبل الولوج في تفاصيل الكفالة، توضيح لَبسٍ يقع فيه البعض، حيث يزعم البعض أن اسم أبي طالب هو «عمران»، مستدلين بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}. وهذا خطأ بَيِّن وخطأ كبير في فهم السياق القرآني؛ فلو تأمل القارئ الآيات التالية لوجد قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بطني مُحَرَّرًا}، وهي امرأة عمران والد السيدة مريم عليها السلام وجد نبي الله عيسى. أما عم النبي ﷺ فلقبه "أبو طالب" واسمه "عبد مناف".

​أبو طالب.. الفقر المادي والغنى القلبي

​لم يكن أبو طالب من أصحاب الأموال الطائلة، بل كان قليل المال كثير العيال، لكنه ورث عن أبيه عبد المطلب شرف السيادة وكرم النفس وشهامة العرب. كان رجلاً مهاباً ومحبوباً في قريش، وقد سار على نهج أبيه في ترفعه عن الرذائل، فحرم الخمر على نفسه قبل الإسلام.

​عندما دخل النبي ﷺ بيت عمه، لم يعامله كيتيم غريب، بل صار أحب إليه من نفسه وأبنائه. ويروى أن أبا طالب كان شديد التعلق به، فلا ينام إلا وهو بجواره، ولا يخرج من بيته إلا وهو يتفقده، وقد استمرت هذه الرعاية الحانية من سن الثامنة وحتى زواج النبي ﷺ من السيدة خديجة في سن الخامسة والعشرين.

​معجزات البركة في طعام آل أبي طالب

​تروي لنا السيدة بركة (أم أيمن) رضي الله عنها، وهي الشاهدة على تلك الفترة، كيف حلت البركة الإلهية ببيت أبي طالب بوجود النبي ﷺ. كان أبناء أبي طالب إذا وضع لهم الطعام "ينتشلونه" بسرعة فائقة من شدة الجوع وكثرة عددهم، فلا يشبعون أبداً ويظل الطعام ناقصاً.

​تقول بركة: "كان عيال أبي طالب إذا أكلوا فرادى أو مجتمعين لم يشبعوا، فإذا أكل معهم النبي ﷺ شبعوا جميعاً وزاد من طعامهم فضل كثير". لاحظ أبو طالب هذا السر الرباني، فصار يمنع أبناءه من البدء بالأكل حتى يمد محمد ﷺ يده أولاً، فإذا بدأ ببركته، كفى القليلُ الكثيرَ.

​وكذلك كان الحال في "القعب" (وهو إناء اللبن الخشبي)، فبينما كان لا يروي الصبية لقلته، كان النبي ﷺ إذا شرب منه أولاً، شرب الجميع من بعده حتى ارتووا جميعاً وبقي اللبن كما هو! وكان أبو طالب ينظر إليه بدهشة ويقول: "إنك لنسمة مباركة يا بني".

​جمال الفطرة ونقاء النبوة

​ومن عجائب ما رأت السيدة بركة، أن الصبية في مكة كانوا يستيقظون من نومهم "شعثاً رمصاً" (بشعر مبعثر وآثار تعب في الأعين)، وهذا حال الأطفال عادة. أما المصطفى ﷺ، فكان يستيقظ من نومه "كحيلاً دهيناً"، شعره مرتب وناعم، وعيناه مكحلتان، وتفوح منه رائحة الطيب كأنما مُسح بالمسك، فكان جمال ظاهره يعكس طهر باطنه.

​تنبيه منهجي في السيرة

​يجب أن نتنبه دائماً إلى عدم قول "قبل النبوة"، بل الصواب هو قول «قبل البعثة» أو «قبل نزول الوحي»؛ لأن مقامه ﷺ كـ "نبي" ثابت عند الله منذ الأزل، وقد ولد نبياً وعاش نبياً في كفالة جده وعمه، وإنما نزل عليه التكليف بالرسالة (البعثة) في سن الأربعين.

يتبع باذن الله  دوس على 👇🏽

​➡️ الجزء التالي:

⬅️ الجزء السابق:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ﷺــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

​المصادر والمراجع:

​سيرة ابن هشام: ذكر تفاصيل الكفالة والوصية.

​الطبقات الكبرى لابن سعد: رواية بركة أم أيمن عن معجزات الطعام.

​دلائل النبوة للبيهقي: وصف طفولة النبي ﷺ وجمال هيئته.

​تفسير ابن كثير: توضيح الفرق بين آل عمران وآل أبي طالب

             ك/ حمدى الزلكى 


رحلة لن تمل منها.

. ابدأ من هنا

إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:

📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته