30: السر الإلهي في "الاستسقاء".. لماذا طهرت الملائكة قلب النبي ﷺ بالثلج؟



كيف استسقت قريش بوجه النبي ﷺ في سن التاسعة


السيرةالنبوية

 (30) بعنوان 

.. كيف استسقت قريش بوجه النبي ﷺ في سن التاسعة؟


​حينما بلغ الحبيب المصطفى ﷺ سن التاسعة من عمره الشريف، وقعت حادثة عظيمة سجلتها كتب السير لتكون شاهداً على بركته ونوره منذ نعومة أظفاره. إنها قصة الاستسقاء بوجهه الشريف، اللحظة التي أدركت فيها قريش أن هذا الصبي ليس كبقية الصبية، بل هو نبع الرحمة والبركة للعالمين.

​مشهد الحيرة والقحط في مكة

​تروي "بركة" (أم أيمن حاضنة النبي ﷺ) فتقول: "مضى علينا عام وبعض العام كانت سنة شديدة"، وتصف بذلك حال مكة حين حبس الله عنها المطر، فأجدبت الأرض، وهلكت الماشية، وأضحت قريش في قحط وجفاف لم يسبق له مثيل، حتى ضاقت عليهم أنفسهم. روى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة، وهو الذي شهد الواقعة، يقول: "قدمت إلى مكة وقريش في قحط شديد".

​كان أهل مكة مجتمعين عند البيت العتيق يتباحثون في أمر هذا البلاء، في تخبط واضح وعقائد لا تنفع ولا تضر. فسمعتُ قائلاً منهم ينادي بالناس: "اعتمدوا اللات والعزى"، وقائلاً آخر يقول: "اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى". وبينما كانت قريش تتجادل، وقف فيهم شيخ وسيم، حسن الوجه، رصين المنطق، فقال لهم موبخاً: "أنّى تؤفكون؟ أين تذهب عقولكم؟ وكيف تضلون وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل؟". فقالوا له: "كأنك تقصد أبا طالب؟" قال: "نعم".

​التوجه إلى بيت أبي طالب.. ولقاء "شمس الدجنة"

​انطلق القوم جميعاً حتى طرقوا باب أبي طالب، فخرج إليهم رجل حسن الوجه، قد اتشح بإزار، فالتفوا حوله يتوسلون إليه قائلين: "يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فاستسقِ لنا كما كان يفعل أبوك عبد المطلب!".

​هنا لم يخرج أبو طالب وحده، بل أخرج معه غلاماً صغيراً، وهو النبي ﷺ. يصف جلهمة وجه النبي في تلك اللحظة بوصف بديع فيقول: "كأن الغلام شمس دجنة تجلت عليها سحابة قتماء". وهذا يعني أن وجهه الشريف من شدة نوره كأنه شمس ساطعة في ليلة مظلمة، غطتها سحابة رقيقة لكي تستطيع الأعين النظر إليه من فرط جماله ومهابته ﷺ. طاف به حول الكعبة سبعة أشواط، ثم ألصق ظهر الغلام الصغير بجدار الكعبة المشرفة، ورفعه بيديه وهو يتوسل إلى الله.

​مشهد الاستسقاء وانفجار الوادي بالماء

​كان النبي ﷺ في التاسعة من عمره، لا ينطق بدعاء مرتب، ولكنه كان يرفع أصبعيه الصغيرتين نحو السماء ويحركهما. يقول الراوي: فما هي إلا لحظات، حتى أقبل السحاب من كل فج عميق، وأغدقت السماء مطراً غزيراً، وانفجر الوادي بالماء، واخضرّت الأرض، وسقى الله قريشاً ببركة وجه حبيبه المصطفى ﷺ.

​دليل الصحة والإقرار النبوي.. بيت شعر أبي طالب

​هناك أدلة قوية تؤكد صحة هذه الحادثة؛ منها رواية "بركة" أم أيمن، والأهم هو القصيدة "اللامية" المشهورة لأبي طالب التي قالها وهو يدافع عن النبي ﷺ في حصار الشعب، حيث قال أمام النبي ﷺ:

وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه ... ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ

فذكرهم أبو طالب بتلك الحادثة وهم في أشد حالات العداء، والنبي ﷺ يسمع هذا المدح والتوثيق للواقعة ويسكت، وسكوت النبي ﷺ يسمى في الشرع (إقراراً).

​تخيلوا مشهد قريش وهي تنظر إلى السماء التي انفتحت أبوابها بالماء ببركة أصابع صبي صغير! كيف سيكون حال أبا طالب بعد هذه الآية؟ ومن هم الشخصيات التي بدأت تلاحظ نبوة النبي ﷺ في هذه المرحلة؟

​يتبع بإذن الله....دوس على 👇🏿

​➡️ الجزء التالي:

⬅️ الجزء السابق:

صلوا على من شهد له الكون بعظم شأنه وكان وفياً لمن أرضعه.. ﷺ

 ​⬅️ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

​المصادر والمراجع المعتمدة لهذا الجزء:

​صحيح البخاري: (كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا).

​تاريخ دمشق لابن عساكر: (ج3 ص438 - رواية جلهمة بن عرفطة).

​دلائل النبوة للإمام البيهقي: (ج2 ص126 - رواية بركة أم أيمن).

​الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي: (باب علامات النبوة قبل البعثة).

​الروض الأنف للسهيلي: (ذكر لقب عبد المطلب "أبو البطحاء").

​دلائل النبوة للأصبهاني: (فصل في بركته ﷺ).

​فقه السيرة للشيخ الألباني: (تخريج قصة الاستسقاء وتصحيح أصلها).

                 ك/حمدى الزلكى 

رحلة لن تمل منها

.. ابدأ من هنا

إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:

📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته