53/دعوة هزت أركان الشام​"اللهم سلط عليه كلباً من كلابك".. كيف تحقق وعيد النبي ﷺ في عتيبة؟

 

                     جكيد حمالة الحطب ودعوة النبي ﷺ التي هزت الشام

السيرة النبوية 

53/بعنوان

 كيد حمالة الحطب ودعوة النبي ﷺ التي هزت الشام

​لم تهدأ نار الحقد في قلب "أم جميل" زوجة أبي لهب بعد نزول سورة المسد، بل تحولت إلى رغبة محمومة في الانتقام والانقضاض على بيت النبي ﷺ بكل وسيلة ممكنة. وفي هذا الجزء، نرى كيف حاولت تحريض أخيها وأبنائها لتدمير حياة بنات النبي ﷺ، وكيف جاء الرد الإلهي حاسماً.

​كيد حمالة الحطب مع أخيها أبي سفيان

​انطلقت حمالة الحطب مغضبة إلى بيت أخيها أبي سفيان بن حرب، ودخلت عليه دون استئذان أو تحية، فصاحت به مستهزئة: "ويحك يا أخمس!" (تقصد يا شجاع للسخرية منه)، ثم حرضته قائلة: "أما تغضب أن هجاني محمد؟". ثار أبو سفيان وخرج بسيفه ليقتص من النبي ﷺ، لكنه عاد سريعاً ووجهه يكسوه الشحوب والرعب. حين سألته عما جرى، أخبرها برؤية ثعبان عظيم يفتح فاه كاد يلتقم رأسه لو تقدم شبراً واحداً. وبدلاً من أن تتعظ، سخرت منه وقالت: "لقد سحرك محمد".

​طلاق بنات النبي ﷺ وفرحة الشامتين

​لم تكتفِ بذلك، بل ذهبت لزوجها أبي لهب وأبنائها الثلاثة: عتبة، وعتيبة، ومعتب. وكان عتبة متزوجاً من "رقية"، وعتيبة من "أم كلثوم" (بنات النبي ﷺ)، ولم يدخلا بهما بعد. ضغطت حمالة الحطب على ابنيها لطلاق بنات محمد ﷺ، وأيدها أبو لهب مهدداً: "رأسي من رأسيكما حرام إن لم تطلقا بناته". وقع الطلاق، ورغم أن النبي ﷺ بشر يتألم لألم بناته ويحزن لحزنهن، إلا أن الله عز وجل أكرمه بأن أبدل رقية بزوج عظيم هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، ذو الجاه والمال الشريف الذي ورثه من والده (الذي اغتنم من جيش أبرهة بعد حادثة الفيل). وبعد وفاة رقية، تزوج عثمان بأم كلثوم، ولذلك سُمي بـ "ذي النورين".

​الانتقام الشرس ودعوة النبي المستجابة

​جاء عتيبة بن أبي لهب إلى النبي ﷺ منتقماً لأمه، فتهجم عليه وشق قميصه وبصق في وجهه قائلاً: "إني كافر بما أُنزِل إليك، وفارقت ابنتك". هنا رفع النبي ﷺ يديه الشريفتين إلى السماء ودعا دعوة اهتزت لها القلوب: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك". كان أبو طالب حاضراً، فارتجف صدمة لأنه يعلم أن دعوة محمد لا تُرد، وقال لعتيبة: "ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة".

​عاقبة عتيبة في أرض الزرقاء بالشام

​خرج عتيبة مع والده في قافلة تجارية إلى الشام، وكان الخوف يطارد أبا لهب الذي أقسم بـ "اللات والعزى" أنه لا يأمن دعوة محمد ﷺ على ابنه. وحين نزلوا بمنطقة "الزرقاء"، حذرهم راهب من وجود الأسود (أرض مسبعة). طلب أبو لهب من قريش حماية ابنه، ففرشوا لعتيبة في الوسط وأحاطوه بأنفسهم وبالمتاع وبالجمال كدائرة محصنة.

​بينما القوم نيام، جاء الأسد ووثب وثبة واحدة تخطت كل الحواجز ليستقر فوق رأس عتيبة. صرخ عتيبة برعب: "هذه دعوة محمد! انتقم مني وهو في مكة وأنا في الشام". فما كان من الأسد إلا أن فتح فمه وطحن رأس عتيبة بضغمة واحدة. قال أبو لهب بقلب مفطور: "قد عرفت والله ما كان ليفلت من دعوة محمد".

​[المستفاد من القصة]

  1. ​عصمة النبي وجنود الله: كيف حمى الله نبيه بالثعبان وبالأسد (الذي سماه النبي كلباً لصفتين في جلوسه ورفعه رجله).
  2. ​الصبر على الابتلاء العائلي: طلاق بناته ﷺ كان ابتلاءً اجتماعياً عظيماً صمد أمامه بيقين.
  3. ​عوض الله جميل: تبديل عتبة وعتيبة بعثمان بن عفان دليل على أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
  4. ​قوة الدعاء: تحذير لكل ظالم بأن دعوة المظلوم (فكيف بنبي الله) ليس بينها وبين الله حجاب.

          

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

​[المصادر والمراجع ]

  • ​تفسير القرآن العظيم (ابن كثير): تفسير سورة المسد وقصة طلاق بنات النبي ﷺ.
  • ​دلائل النبوة (البيهقي): تفاصيل دعاء النبي على عتيبة وقصة الأسد في الشام.
  • ​السيرة النبوية (ابن هشام): ذكر نسب حمالة الحطب وكيدها مع أخيها أبي سفيان.
  • ​الرحيق المختوم (المباركفوري): فصل الصدع بالدعوة وإيذاء المشركين لبيت النبوة.
  • ​المستدرك على الصحيحين (الحاكم): ذكر قصة مقتل عتيبة بن أبي لهب في أرض الزرقاء.
  • ​فتح الباري (ابن حجر): تفاصيل عن عثمان بن عفان ولقب ذي النورين وثروته
​               بقلم /حمدى الزلكى 
​➡️ الجزء التالي:

⬅️ الجزء السابق:

رحلة لن تمل منها.

 ابدأ من هنا

إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:

📜اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته