![]() |
| نهاية الطغيان: ميتة أبي لهب المذلة وتحذير لنساء الأمة |
السيرة النبوية
54/بعنوان
نهاية الطغيان: ميتة أبي لهب المذلة وتحذير لنساء الأمة
تستمر فصول الصراع بين الحق والباطل، وفي هذا الجزء نسلط الضوء على الدور المحوري الذي لعبه أبو لهب في صد الناس عن دعوة الإسلام بتدبير من زوجته "أم جميل"، ونهاية رحلته المأساوية التي كانت آية للمعتبرين.
الدور التحريضي لحمالة الحطب
لم تكتفِ "أم جميل" (حمالة الحطب) بإفساد بيوت بنات النبي ﷺ بطلب الطلاق، بل تفرغت لبث السموم في عقل زوجها أبي لهب. كانت تحرضه قائلة: "إياك أن تترك محمداً، أنت عمه وأولى الناس بمنعه قبل أن تجتمع العرب عليكم". وبسبب انصياعه لتعاليمها، قرر أبو لهب تكريس حياته لمحاربة ابن أخيه ﷺ.
الحرب النفسية والدعائية في أسواق مكة
عندما جهر النبي ﷺ بالدعوة، اتخذ أبو لهب أسلوب المطاردة اللصيقة. يروي الصحابة الكرام -ممن عاصروا تلك الفترة- أنهم كانوا يرون رجلاً وضيء الوجه، له ضفيرتان، يمشي خلف النبي ﷺ في الأسواق. كلما دعا النبي ﷺ أحداً إلى توحيد الله، صاح أبو لهب من خلفه: "يا معشر الناس، هذا ابن أخي وأنا أعلم الناس به، إن به مساً من الجن، فلا تصدقوه". كان لهذا الأسلوب أثر نفسي كبير، حيث كان المشركون يقولون: "إذا كان عمه وأقرب الناس إليه يكذبه، فما لنا وللتصديق به؟".
شجاعة أم الفضل ونهاية الطاغية
بعد هزيمة قريش النكراء في غزوة بدر، سيطر الغل والقهر على أبي لهب. وقف يسب النبي ﷺ بأبشع الألفاظ أمام أم الفضل (زوجة العباس بن عبد المطلب)، وكانت مؤمنة تكتم إيمانها. لم تحتمل أم الفضل تطاوله، فهاجمته بعمود خيمة فشجت رأسه شجة منكرة.
ابتلاه الله عز وجل عقب ذلك بمرض "العدسة" (وهو مرض معدٍ ومخيف عند العرب)، فاعتزله الناس حتى أولاده خوفاً من العدوى. مات وحيداً طريداً، ولما خشي أبناؤه رائحته، أمروا العبيد بردم بيته عليه بالحجارة والتراب دون غسل أو كفن. ومن عجائب قدر الله أن موقع بيته وقبره هذا صار اليوم مكاناً لـ "دورات مياه" عند أبواب المسعى بمكة المكرمة
تحذير لنساء الأمة: احذرن خُلُق حمالة الحطب
إن سيرة حمالة الحطب ليست قصصاً للتسلي، بل هي إنذار. فكل امرأة تسعى بالفتنة بين المرء وزوجه، أو تحرض الأخ على زوجته، أو تشعل نار الغل بين الأقارب، إنما تحمل صفات "أم جميل". تذكري أن في جهنم باباً خاصاً لمن "تحتطب" على الناس بالنميمة والشر، فجاهدي نفسك واقمعي فيها الحقد ليعوضك الله بصفات الرضا والتقوى.
[ الدروس والعبر المستفادة ]
- ١. خطورة "بطانة السوء": تتجلى في شخصية "أم جميل" التي لم تكن مجرد زوجة، بل كانت محرّضاً يغذي الحقد. الدرس هنا أن رفيق الدرب إما أن يكون عوناً على الحق أو وقوداً للباطل.
- ٢. الثبات أمام الحرب النفسية: رغم ملاحقة أبي لهب للنبي ﷺ وتشويه سمعته، لم يتوقف النبي ﷺ عن دعوته. وهذا يعلمنا أن "صاحب الحق" لا تضره حملات التشويه ما دام موقناً بنصر الله.
- ٣. شجاعة المرأة المسلمة: موقف أم الفضل رضي الله عنها يثبت أن الإيمان يمنح صاحبه قوة لا تهاب الطغاة. لم تمنعها مكانة أبي لهب من الانتصار لرسول الله ﷺ.
- ٤. التحذير من "خلق حمالة الحطب": الحذر من "النميمة" والفتنة بين الأقارب. لقد خلد القرآن ذم زوجة أبي لهب ليكون تحذيراً أبدياً لكل من تسعى بالوقيعة بين الناس.
- ٥. سنّة الاستدراج وعاقبة الظلم: أمهل الله أبا لهب طويلاً، لكنه أهلكه بأبشع ميتة، وهذا تأكيد على أن الظالم قد ينجو من سيوف البشر، لكنه لا ينجو من تدبير خالق البشر.
[ المصادر والمراجع ]
- السيرة النبوية (ابن هشام): تفاصيل مطاردة أبي لهب للنبي في الأسواق.
- دلائل النبوة (البيهقي): قصة مرض أبي لهب ونهايته بعد موقعة بدر.
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير): شرح سورة المسد وعلاقة أبي لهب بزوجته.
- الطبقات الكبرى (ابن سعد): ذكر إيمان أم الفضل وموقفها الشجاع من أبي لهب
رحلة لن تمل منها..
ابدأ من هنا
إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:
📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته