![]() |
السيرة النبوية
54بعنوان
الامر بجهر باالدعوه وصبر على الأذى: أحداث العام الرابع من البعثة
الآن نحن دخلنا في أعوام البعثة، في عامنا الرابع؛ ثلاثة أعوام كانت الدعوة السرية. هذا العام الرابع كان مليئًا بالأحداث؛ ففيه تعرَّض الحبيب ﷺ للاستهزاء، وتعرَّض فيه ضعفاء المسلمين للتعذيب البشع، حتى قُتِل البعض منهم من شدة التعذيب.
وإن شاء الله سأعرض لكم في الأجزاء القادمة كيف تحمَّل النبي ﷺ في سبيل الدعوة إلى الله، وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، وربما تكون الأجزاء طويلة بعض الشيء؛ لكي أتناول الحدث بكل تفاصيله، لنعيش معهم هذا الشعور، وكيف تحملوا من أجل رفع كلمة {{ لا إله إلا الله محمد رسول الله }}.
[ حرب التزييف الممنهج: ضجيج اليأس في أسواق مكة ]
الرسول ﷺ الآن في قريش أخذ يتعرض لحملات تشويه لا تنتهي، حتى قالوا عنه: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه كاهن، وإنه شاعر. وخارج مكة في القرى العربية، أصبحت القبائل تصلها أخبار أن في مكة خرج {{ ساحر عظيم }}.
قريش تُضيّق على الرسول ﷺ، ولا تعطي الفرصة لأحد حتى يستمع إلى القرآن، ولا تعطي فرصة للرسول ﷺ حتى يتحدث إلى أحد. وقد رأينا كيف أن [[ أبو لهب ]] كان يسير خلف الرسول ﷺ؛ فكلما أراد أن يتحدث إلى أحد من مكة أو من خارج مكة قال: "هذا مجنون، هذا ابن أخي وأنا أعلم به"؛ فيتركه الناس، ويقولون: "هذا عمه وهو أعلم به".
ومثلاً: عمر بن الخطاب [[ وكان لا يزال على الكفر ]] كان يمشي خلف النبي ﷺ، وكانت الناس تهابه؛ فكان يمشي خلف النبي وينهاهم عن التحدث إلى رسول الله ﷺ، فلا يجرؤ أحد أن يتحدث أو يستمع إلى حديث الرسول ﷺ. وكانوا إذا قرأ القرآن يصفرون، ويصفقون، ويصرخون لكي لا يسمعه الناس.
[ ترياق القلوب في دار الأرقم: تثبيت الفؤاد بقصص السابقين ]
ورغم كل هذا كان رسول الله ﷺ يبذل كل جهده، ولا يتوقف لحظة واحدة. كان يدعو قريشًا، ويدعو من يأتي إلى مكة من خارج قريش، وخاصة في موسم الحج. وكان القرآن العظيم تتنزل آياته؛ فيصلي عند الكعبة، ويقرأ القرآن حتى تسمع قريش القرآن.
واهتم القرآن المكي [[ أي الآيات التي نزلت في مكة قبل الهجرة ]] بذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة، كما كان من خصائصه تثبيت قلب النبي ﷺ، ودعوته إلى الصبر وتحمل أذى المشركين، وكان يرد على مشركي قريش.
نصيحة لكم : اجلسوا في غرفة، واستمعوا إلى {{ سورة هود }}، أغمض عينيك، واستشعر نفسك تجلس مع الصحابة في دار الأرقم مع رسول الله ﷺ، وكأنك تسمعها منه، وكيف كان الله يتودد إليهم بذكر من سبق، ويصبرهم ويثبتهم.. جرّب وتذوَّق حلاوة الإيمان.
[ برهان الإيجاد من العدم: الرد على منكري البعث ]
بعض الأمثلة:
يأتي رجل اسمه [[ أُبي بن خلف ]] يحمل بكف يده عظمًا رميمًا [[ يعني متفتتًا ]]، فقال: "يا محمد، أترى ربك يحيي هذا بعدما قد رَمَّ؟" فينزل الله على نبيه:
{{ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }} 〔يس: ٧٧-٧٩〕
شرح الفقرة: يا من تستغرب من هذا العظم الرميم، انظر لنفسك من أي شيء خُلقت؛ من نطفة، وها أنت أصبحت رجلًا تخاصم الله، تضرب لنا مثلًا تحمل بكفك العظام وتسأل من يحييها، وتنسى أنت من أي شيء خُلقت. فالذي أنشأها أول مرة ولم تكن موجودة بالأصل هو الذي يحييها... إنه الله جل في علاه.
[ فلسفة النبوة: بين تواضع البشرية وعظمة الاختيار ]
قالوا: كيف يكون محمد نبيًّا ومستجاب الدعوة وهو فقير، ويأكل الطعام مثلنا؟ لو أرسل الله نبيًّا من السماء لكان ملكًا وليس بشرًا، فكيف محمد مثلنا يمشي في السوق، وهو يريد أن يكون ملكًا علينا، والملوك لا تمشي في الأسواق؟
فيقول تعالى:
{{ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلا مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا }} 〔الفرقان: ٧-٩〕
ويقولون: محمد فقير ويريد أن يكون ملكًا علينا، والملوك لا تمشي في الأسواق. فيرد عليهم الله تعالى بقوله:
{{ تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا }} 〔الفرقان: ١٠〕
ويقولون: يا محمد، والله لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله، وأنك رسول من عنده. فيرد عليهم الله تعالى بقوله:
{{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ }} 〔الأنعام: ٧〕
قرطاس [[ يعني ورقة محسوسة يمسكونها بأيديهم ]]؛ فالله تعالى يقول إنه حتى لو حقق لهم هذا المطلب لقالوا إن الرسول قد سحر أعينهم، كما حدث في مواقف أخرى كثيرة.
[ سكن السكينة: من سخرية الأعداء إلى حضن خديجة ]
وهكذا كان حال نبينا ﷺ مع قريش. كان كلما أقبل ﷺ أو مر من جانبهم أسمعوه كلام استهزاء. يقولون: "هذا ابن أبي كبشة يُكلَّم من السماء!" [[ وأبو كبشة هو زوج حليمة السعدية مرضعة الرسول ﷺ، فاستهزاءً بالنبي بدلًا من أن يقولوا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، ينسبونه إلى قومه الذين أرضعوه ]].
هذا ابن أبي كبشة يُكلَّم من السماء! هذا راعي الغنم في قريش يُكلَّم من السماء! [[ لأنه عمل في رعاية الأغنام ﷺ ]]. والرسول ﷺ يسمع كلامهم ويسكت، ثم يرجع إلى بيته بعد نهار متعب في الدعوة إلى الله، وهو حزين من أفعال قومه، فيأتي إلى بيته فيجد خديجة رضي الله عنها، فتتكلم معه وتصبره، فلا تتركه حتى ترى الابتسامة على وجهه، رضي الله عنها وأرضاها.
[ مناظرة حصب جهنم: ذكاء الوحي في دحض المغالطات ]
إلى أن اشتد الوحي، وبدأت الآيات تنزل على رسول الله ﷺ وتأمره أن يدعو قومه، ويبين لهم سخافة هذه الأصنام التي صنعوها بأيديهم، وسفاهة آبائهم، وأنهم كانوا قليلي عقل. فأنزل الله قوله:
{{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }} 〔الأنبياء: ٩٨〕
يعني هذه الأصنام التي تعبدونها ستكون في جهنم، تُحمى بها نار جهنم ويُعذَّب بها أهل النار.
فغضبت لذلك قريش وقالوا: أيشتم آلهتنا؟ محمد يشتم آلهتنا! محمد يشتم آباءنا!
فجاء كبير الشعراء في قريش واسمه [[ عبدالله بن الزبعري ]]، وكان يهجو النبي ﷺ بالأشعار. جاء وقريش مجتمعة، فقال: "يا محمد، هذا الشيء الذي تقوله {{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }}، لآلهتنا خاصة أم لكل من عُبد من دون الله؟"
فقال له النبي ﷺ: "بل لكل من عُبد من دون الله".
فقال له: "ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيرًا عبد صالح؟"
فقال ﷺ: "بلى".
قال: "وكل هؤلاء قد عبدهم الناس، فهل هم حصب جهنم؟" [[ هل الملائكة وعيسى وعزير سيكونون حصب جهنم لأن الناس عبدتهم؟ ]].
فصاح أهل مكة فرحًا، فمنهم من صار يصفق، والآخر يرقص، والآخر يصفر، وقال: "أجب يا محمد!"
فينزل جبريل عليه السلام على رسول الله ﷺ بقوله تعالى:
{{ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }} 〔الأنبياء: ١٠١〕
[[ أي إن الذين سبقت لهم منا الحسنى، مثل الملائكة وعيسى وعزير، أولئك عنها مبعدون ]].
[ حمية الجاهلية: الصراع بين العقل والتقليد الأعمى ]
وأنزل الله آيات متفرقة، قال تعالى:
{{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ }} 〔البقرة: ١٧٠〕
وفي آية أخرى:
{{ وَإِذَا قِيلَ لَهُم تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ }} 〔المائدة: ١٠٤〕
الأولى: {{ لا يعقلون }}، والثانية: {{ لا يعلمون }}.
وفي موضع آخر:
{{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ }} 〔لقمان: ٢١〕
فهنا قريش لما سمعت القرآن ينال منهم، ومن أصنامهم، وآبائهم، أخذتهم حمية الجاهلية. كيف يسفه هذا النبي أحلامهم وأحلام آبائهم، وينسب الآباء إلى قلة العلم والعقل؟
فاشتد غضبهم، وجمعوا شيوخ قريش، وذهبوا إلى أبي طالب.
يتبع باذن الله
[ الدروس والعبر المستفادة ]
١. قيمة الصبر: الصمود أمام التعذيب لرفع كلمة التوحيد.
٢. دور الزوجة الصالحة: السيدة خديجة رضي الله عنها كانت الأمان النفسي للنبي ﷺ.
٣. بطلان التقليد الأعمى: ذم القرآن لاتباع الآباء بلا عقل ولا علم.
٤. حلاوة الإيمان: دعوة لتدبر سورة هود لاستشعار حال الصحابة رضي الله عنهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ المصادر والمراجع ]
- كتاب السيرة النبوية لابن هشام: أحداث العام الرابع من البعثة.
- كتاب تفسير ابن كثير: تفسير سور يس والفرقان والأنبياء.
- كتاب دلائل النبوة: إيذاء المشركين للنبي ﷺ.
رحلة لن تمل منها..
ابدأ من هنا
إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:
📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته.jpg)