52-معجزة الحجاب الإلهي.. كيف حُرمت حمالة الحطب من رؤية النبي ﷺ؟

           حمالة الحطب: حين حجب الله بصر الكفر عن نور النبوة

السيرة النبوية 

52بعنوان

 حمالة الحطب: حين حجب الله بصر الكفر عن نور النبوة

​استكمالاً لرحلتنا في سيرة الحبيب ﷺ، نقف اليوم عند مشهد عجيب يجمع بين حقد البشر وعظمة الرعاية الإلهية. فبعد نزول سورة "المسد"، لم تشتعل النار في قلب أبي لهب وحده، بل استشاطت زوجته "أم جميل" غضباً، وهي التي خلد القرآن ذمها بوصف "حمالة الحطب".

​لماذا لُقبت بـ "حمالة الحطب"؟

​لم يكن هذا الوصف القرآني مجرد تسمية، بل كان تجسيداً لواقع أليم وسلوك شائن، حيث اجتمعت فيها ثلاث صفات دنيئة جعلتها تستحق هذا اللقب في الدنيا والآخرة:

​البخل ودناءة النفس: رغم مكانتها الاجتماعية، كانت تجمع الحطب بنفسها وتحمله من شدة بخلها وحرصها على المال.

​أذى الجوار المتعمد: كانت تتعمد جمع الشوك والحسك لتلقيه في طريق النبي ﷺ وأمام بيته لتؤذيه جسدياً أثناء خروجه للصلاة.

​إشعال نار الفتنة: كانت "تحطب" على النبي، وهو تعبير عربي يُقال لمن ينم ويفترى على الناس؛ فقد كانت تنقل الأكاذيب من دار إلى دار لتشوه سمعة النبي ﷺ وتصده عن دعوته.

​الولولة والبحث عن "مذمم"

​حين سمعت أم جميل أن أطفال مكة يرددون الآيات التي تذمها وتتوعدها، انطلقت كـ "الحمامة الشديدة السرعة" نحو الكعبة، وهي تولول بكلام فاحش وبذيء. كانت تحمل في يدها "الفهر" (وهو حجر مطاول صلب) وعزمها أن تضرب به رأس النبي ﷺ انتقاماً لنفسها وكبريائها كبنت سيد بني عبد شمس.

​ومن عجيب حماية الله لنبيه أنها كانت تبحث عمن تسميه "مذمم"، فالله عز وجل صرف عنها حتى اسمه الشريف "محمد"، فلم ينطق لسانها إلا بعكسه، ليظل اسم النبي معصوماً من سبابها ومنادياً بالحمد حتى في لحظات العداء.

​معجزة الحجاب الإلهي في حِجر الكعبة

​وصلت أم جميل إلى حِجر إسماعيل، حيث كان النبي ﷺ جالساً وبجانبه رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وهنا تجلت المعجزة؛ فقد حجب الله بصرها عن رؤية النبي ﷺ تماماً رغم أنه أمامها. وقفت أمام أبي بكر وقالت بغلّ: "يا أبا بكر أين صاحبك مذمم؟ أيهجوني ويُذكر اسمي على لسان الصغار؟".

​اندهش أبو بكر الصديق، فكيف لا ترى من يجلس بجانبه؟ فسألها: "وهل ترين عندي أحداً؟"، فقالت باحتقار: "أتهزأ بي؟ ما أرى عندك أحداً!". ثم أنشدت شعراً في قمة الكفر: "مذمماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا"، وانصرفت وهي تتوعد بضرب رأسه الشريف إذا وجدته.

​ريشة من جناح جبريل

​بعد انصرافها، التفت أبو بكر للنبي ﷺ متعجباً: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ألم تكن تراك؟". فأخبره النبي ﷺ بالسر الإلهي العظيم: "لا يا أبا بكر، إن الله أخذ بصرها فلم تراني، لقد جاء جبريل ووقف بيني وبينها ووضع جناحه حائلاً".

​لقد عصم الله رسوله بالفعل والقول؛ فلم يصل إليه حجرها، ولم يمس اسمه الشريف سبابها، وظلت (حامله الحطب) تتخبط في عماها، ليكون هذا الموقف درساً لكل ظالم بأن الله يدافع عن الذين آمنوا.

​[المستفاد من القصة]

  1. ​العصمة الإلهية: كيف يحمي الله أولياءه بجنود لا نراها، كجناح جبريل الذي حجب بصر الكفر.
  2. ​اسم النبي محمي: صرف الله لسان المشركين عن سب اسم "محمد" فصاروا يسبون "مذمماً"، فبقي المدح لمحمد والذم لمجهول.
  3. ​خطر النميمة: وصف "حمالة الحطب" هو إنذار لكل من يسعى بالفتنة ونقل الكلام لإيذاء الناس.
  4. ​ثبات الصديق: موقف أبي بكر رضي الله عنه وثباته بجوار النبي يظهر عمق اليقين والوفاء 
  5. ​سوء العاقبة: الكبر والغرور كان الحائل بين أم جميل وبين الهداية، فخسرت الدنيا والآخرة.

                صلوا على سيدنا محمد ﷺ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــﷺـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

​[المصادر والمراجع]

  1. ​السيرة النبوية لابن هشام.
  2. ​دلائل النبوة للبيهقي وأبي نعيم.
  3. ​تفسير ابن كثير (سورة المسد).
  4. ​الرحيق المختوم للمباركفوري.

​البداية والنهاية لابن كثير.

                                             بقلم/ حمدى الزلكى 

➡️ الجزء التالي:

⬅️ الجزء السابق:

رحلة لن تمل منها..

 ابدأ من هنا

إذا كنت زائراً جديداً، ننصحك بالبدء من حيث بدأت الحكاية:

📜 اقرأ أول مقال: نسب النبي ﷺ ونشأته